مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
316
موسوعه أصول الفقه المقارن
المشكوك من جهة الرافع ، فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره مورداً إلَّاوحكم الشارع فيه بالبقاء إلَّامع أمارة توجب الظنّ بالخلاف « 1 » . ومنها : عمل الفقهاء باستصحاب الحال في كثير من المسائل ، والموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف ، فيثبت العمل به « 2 » . ورُدَّ هذا الاستدلال : بأنَّ الاستقراء هنا ناقص ولا يمكن أن يفيد الاطمئنان الكامل ، كما نوقش في أصل الأمثلة التي ذُكرت على الاستقراء كشواهد « 3 » ، لكنَّه يصلح دليلًا على رأي مَن قال بحجّية مطلق الظن أو حجّية الاستقراء الناقص ، كما ذهب إلى ذلك بعض أصوليي السنّة وبخاصة الشافعية منهم . ( استقراء ) الدليل الخامس : السيرة العقلائية ( بناء العقلاء ) قرَّره الرازي بقوله : « مَن خرج من داره وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة ، كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها راجحاً على اعتقاده ، لتغيّر تلك الحالة . . . ، بل لو تأمَّلنا لقطعنا بأنَّ أكثر مصالح العالم ومعاملات الخلق مبني على القول بالاستصحاب » « 4 » . كما قرَّره الآمدي بقوله : « إنَّ العقلاء وأهل العرف إذا تحقّقوا وجود شيء أو عدمه وله أحكام خاصة به ، فإنَّهم يسوّغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم ، حتَّى أنَّهم يجيزون مراسلة مَن عرفوا وجوده قبل ذلك بمُدَد متطاولة ، وإنفاذ الودائع إليه ، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدَين على مَن أقرَّ به قبل تلك الحالة ، ولولا أنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك » « 5 » . ورُدَّ هذا الدليل : بأنَّ ذلك لم ينشأ من ظنٍّ بالحالة السابقة وبقاء ما كان ، بل لاحتمال بقائه وإصابته الغرض ، وذلك من قبيل رمي الهدف بقصد الإصابة ، فلا يوجد ظنّ بالإصابة ، بل احتمال الإصابة ، وقد تكون الإصابة أقلّ احتمالًا من عدمها « 6 » . ومن الشيعة مَن تبنَّى هذا الدليل ، وعلى رأسهم العلَّامة الحلّي « 7 » وتبعه الكثير ، وفُسِّر : بأنَّه عبارة عن بناء العرف والعقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على الأخذ بالحالة السابقة عند الشكّ في انتقاضها في الأمور الراجعة إلى معاشهم ومعادهم ، بل قد يقال : إنَّ عليه بناء ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان من الوحوش والطيور ونحوهما في رجوعها إلى أوكارها ومأواها « 8 » . وقد رأى بعض اعتماد نظام العالم وأساس العيش لبني آدم عليه « 9 » . ذلك بمثابة المقدمة الأُولى للاستدلال ، والمقدمة الثانية عبارة عن انعدام الردع من قبل الشارع على هذه السيرة ، فلابدَّ من تأييده إيَّاها « 10 » . رُدَّت المقدمة الأولى بما يلي : أولًا : منع بناء العقلاء تعبُّداً ، بل إذا كان فهو إمَّا رجاءً أو
--> ( 1 ) . فرائد الأصول 3 : 54 . ( 2 ) . انظر : معارج الأصول : 207 ، معالم الدين : 234 . ( 3 ) . انظر : أنوار الأصول 3 : 287 . ( 4 ) . المحصول ( الرازي ) 2 : 559 . ( 5 ) . الإحكام 3 - 4 : 367 - 368 . ( 6 ) . المصدر السابق : 369 . ( 7 ) . نهاية الوصول 4 : 366 . ( 8 ) . الفصول الغروية : 369 ، نهاية الأفكار 4 ق 1 : 33 . ( 9 ) . انظر : القوانين المحكمة : 280 ، الفصول الغروية : 369 ، فرائد الأصول 3 : 95 . ( 10 ) . انظر : أصول الفقه ( المظفر ) 3 - 4 : 290 - 291 .